غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
253
تاريخ مختصر الدول
وفيها توفّي الإمام المستنصر باللَّه الخليفة ببغداد وكان عاقلا عادلا لبيبا كريما كثير الصدقات عمّر المدارس والمساجد والرباطات القديمة وكان قد تهدّم معظمها ومن شدّة غرامه بمدرسته المعروفة بالمستنصريّة اعمر لصقها بستانا خاصا له فقلّ ما يمضي يوم إلَّا ويركب في السيارة ويأتي البستان يتنزه فيه ويقرب من شباك مفتح في إيوان المدرسة ينظر إلى البستان وعليه ستر فيجلس وراء الستر وينظر إلى المدرسة ويشاهد أحوالها وأحوال الفقهاء ويشرف عليهم ويتفقد أحوالهم . وكانت مدة خلافته نحو ثماني عشرة سنة . وفي سنة خمس وعشرين وستمائة توفّي حسنون الطبيب الرهاويّ وكان فاضلا في فنّه علما وعملا ميمون المعالجة حسن المذاكرة بما شاهده من البلاد . وكان أكثر مطالعته في كتاب اللوكري في الحكمة . وكان شيخا بدينا بهيا دخل إلى مملكة قلج أرسلان وخدم أمراء دولته كأمير اخور سيف الدين واختيار الدين حسن واشتهر ذكره . ثم خرج إلى ديار بكر وخدم من حصل هناك من بيت شاه ارمن وهزار ديناري ثم الداخلين على تلك الديار من بيت أيوب ورجع إلى الرها . ولما تحقق ان طغرل الخادم تولَّى أتابكية حلب وله به معرفة من دار أستاذه اختيار الدين حسن في الديار الرومية جاء إليه إلى حلب ولم يجد عنده كثير خير وخاب مسعاه فإنه كان منكسرا عند اجتماعه به وانفصاله عنه . فلما عوتب الخادم على ذلك من أحد خواصّه قال : انا مقصّر بحقه لأجل النصرانية . ولما عزم على الارتحال إلى بلده أدركته حمّى أوجبت له إسهالا سحجيا ثم شاركت الكبد في ذلك فقضى نحبه ودفن في بيعة اليعاقبة بحلب . وفي سنة ستّ وعشرين وستمائة توفّي يعقوب بن صقلان الطبيب النصراني الملكي المقدسي وكان مولده بالقدس الشريف وبه قرأ شيئا من الحكمة على تاذوري الفيلسوف الأنطاكي وسيأتي ذكره بعد هذا التاريخ . وأقام يعقوب هذا بالقدس على حالته في مباشرة البيمارستان إلى أن ملكه الملك الأعظم [ 1 ] بن الملك العادل بن أيوب فاختصّ به ولم يكن عالما وانما كان حسن المعالجة بالتجربة البيمارستانية ولسعادة كانت له . ثم نقله الملك المعظم إلى دمشق وارتفعت عنده حاله وكثر ماله وأدركه نقرس ووجع مفاصل أقعده عن الحركة حتى قيل إن الملك المعظم كان إذا احتاج إليه في امراضه استدعاه
--> [ 1 ] - الأعظم ر المعظم وهو الصواب .